أبي حيان التوحيدي
234
المقابسات
54 مقابسة [ في فضيلة العقل وقيمة الحياة ومزية العافية ] سمعت عيسى « 1 » يقول : لو أن الأولين اجتمعوا في صعيد واحد واعتبر كل واحد قوة الباقين لم يجدوا العقل مصيبين مسهلين ، ووجدوا شعاعه ونوره ، وشرفه وبهاءه ونبله وكماله ، وبهجته وجماله ، وزينته وفعاله ، لما بلغوا منه حدا ولا استوعبوا من ذلك جزأ . أنظر إلى من فقده ولم يوهب له شئ منه كيف يرفض ويخذل ، ويعادى ويسترذل ، ويهرب منه ، ويستوحش من قربه وكلامه ، وحتى الذي قد ولده وفصل منه ويجرى مجراه ؟ قال : فأمّا الحياة فإنها ينبوع للفرح والهمّ ، واللذة والمعرفة ، والحس والحركة ، لا تمام للانسان إلا بها ، ولا قوام إلا معها ، ولذلك إذا نظر إلى الميت استوحش منه ، وتبرم به ، وعوجل به إلى القبر ، وأبعد في الأقطار . لأن الحياة التي كانت مهاد الانس ، ورباطا بين النفس والنفس ، فقدت قال وتجرى العافية بعد هذين مجراهما ، وذلك أن العليل متى طالت علته واشتدت وعظمت تلكّأ عنه آنس الناس به ، وهرب منه أحدب الناس عليه . فالعقل والحياة والعافية أثافي في النعمة الكبرى ، ودعائم العطية الأولى ، وكل ما عاداهن فهو دونهن ، وكلما فارقهن يسقط عنهن . والحياة وعاء ، والعقل متاع ، والعافية استعمال ثم قال : نسأل اللّه حياة طيبة ، وعقلا نافعا ، وعافية متصلة قيل له : لم لم يذكر الفقر وهو من قبيل الموت ، ولا الغنى وهو من حيز الحياة ؟
--> ( 1 ) هو عيسى بن علي المار ذكره في ص 147